عبد الوهاب الشعراني

253

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه يقول : وعدني ربى أن لا أعبر عليه وعلى شيء من لحم الدنيا قال يعقوب الخدم ففنى لحمه بأجمعه قبل خروجه من الدنيا . وكان يقول إن العبد إذا تمكن من الأحوال بلغ محل القرب من اللّه تعالى وصارت همته خارقة للسبع السماوات ، وصارت الأرضون كالخلخال برجله ، وصار صفة من صفات الحق جل وعلا لا يعجزه شيء ، وصار الحق تعالى يرضى لرضاه ويسخط لسخطه قال ويدل لما لقناه ما ورد في بعض الكتب الإلهية يقول اللّه عز وجلّ : يا بني آدم أطيعونى أطعكم واختارونى أختركم وأرضوا عنى أرض عنكم وأحبوني أحبكم وراقبونى أراقبكم وأجعلكم تقولون للشئ كن فيكون ، يا بنى أدم من حصلت له حصل له كل شيء ، ومن فته فاته كل شيء . قلت : وقوله وصار صفة من صفات الحق تعالى ، لعله يريد التخلق والاتصاف بصفاته تعالى من الحلم والصفح والكرم لأنه لا يصح لأحد أن يكون عين صفات الحق فهو كقوله " فبى يرى وبي يسمع وبي ينطق " وما أشبه ذلك . وكان رضي اللّه عنه إذا صعد الكرسي لا يقوم قائما وإنما يتحدث قاعدا وكان يسمع حديثه البعيد مثل القريب حتى أن أهل القرى التي حول أم عبيدة كانوا يجلسون على سطوحهم يسمعون صوته ويعرفون جميع ما يتحدث به حتى كان الأطراش والأصم إذا حضروا يفتح اللّه أسماعهم لكلامه ، وكانت أشباح الطريق يحضرونه ويسمعون كلامه ، وكان أحدهم يبسط حجره فإذا فرغ سيدي أحمد رضي اللّه عنه ضموا حجورهم إلى صدورهم ، وقصوا الحديث إذا رجعوا على أصحابهم على جليته . قلت : وهذا يشبه ما وقع لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام من النداء لما بنى البيت فإنه قال يا رب كيف أسمع جميع الخلائق فأوحى اللّه تعالى إليه يا إبراهيم عليك النداء وعلينا البلاغ ، فنادى إبراهيم بالحج فأجابوه في الأصلاب من سائر أقطار الأرض البعيدة مثل القريبة ، فالإبلاغ من اللّه تعالى لا من إبراهيم فإن البشرية لا تقدر على ذلك . وكان رضي اللّه عنه يقول : إذا أراد اللّه عز وجلّ أن يرقى العبد إلى مقامات الرجال يكلفه أمر نفسه أولا فإذا أدب نفسه واستقامت معه ، كلفه بأهله فإن أحسن إليهم وأحسن عشيرتهم كلفه بجيرانه وأهل محلته فإن أحسن إليهم ودارهم كلفه ببلده فإن هو